كلمة رئيس الهيئة

نحتفل اليوم بمرور عقد من الزمان علي إنشاء الهيئة العامة للرقابة المالية كهيئة رقابية موحدة للقطاع المالي غير المصرفي، لتحل محل ثلاث هيئات رقابية وهم الهيئة المصرية للرقابة على التأمين (EISA) والهيئة العامة لسوق المال (CMA) والهيئة العامة لشئون التمويل العقاري (MFA)، لنكمل بذلك 80 عاماً في خدمة الاقتصاد المصري منذ أول تشريع لنشاط التأمين عام 1939. لقد شهدت السنوات العشر الأخيرة أحداث جسام كان لها تأثير واضح على مسيرة الاقتصاد المصري، وعندما ننظر الآن إلى تلك السنوات نتذكر حجم التحولات الجذرية التي شهدها هذا القطاع، فلم تكن الأمور هينة بسيطة وخاصة أن السنوات الأولي منها شهدت تحولات سياسية وتحديات اقتصادية ضخمة كان لها أثر كبير على القطاع المالي غير المصرفي ووضعت عبئاً إضافياً على الهيئة في الرقابة والإشراف على هذا القطاع للحفاظ على قطاع مالي غير مصرفي مستقر قادر على تقليل حدة الصدمات الخارجية ويعمل على المساهمة في النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة. كانت رحلة الدمج طويلة ومعقدة ومليئة بالتحديات إذ كان علينا توحيد الموارد البشرية والمادية وتوحيد النظم الرقابية ونظم البيانات والمعلومات لثلاث جهات مختلفة ووضع إطار رقابي لعديد من الأدوات المالية مع تدعيم واستحداث أدوات وأنشطة جديدة مثل التأجير التمويلي، والتخصيم ونشاط التمويل متناهي الصغر، والسجل الإلكتروني للضمانات المنقولة، وكذلك الاستعداد لما هو مترقب من أنشطة مستقبلية مثل التمويل الاستهلاكي وأسواق العقود الآجلة، ومنصات التمويل الجماعي “Crowdfunding”، وتنظيم تمويل المطورين العقاريين. ولا جدال أن قرار دمج الهيئات الثلاثة في هيئة واحدة قراراً استراتيجياً بامتياز اشتمل على رؤية استباقية وكانت مصر من الدول الرائدة التي تقوم بخطوة دمج الهيئات الرقابية على القطاع المالي غير المصرفي تحت مظلة واحدة، وأسهم هذا التوجه بشكل كبير في خلق أول أطار مؤسسي شامل واضح للقطاع المالي غير المصرفي. أما الاستحقاق الدستوري للعام 2014 فكان محطة أخرى شديدة الأهمية حيث منح الهيئة استقلالية غير مسبوقة كانت مطلوبة وحيوية للمساهمة في تطوير الأداء الرقابي والوظيفي على الأسواق وتطوير وتنمية أدوات السوق وأكدت على الأهمية المتزايدة التي أصبح يشغلها القطاع غير المصرفي في رؤية صانع القرار. ومع قرب انتهاء العقد الأول من إنشاء الهيئة كان لِزاماً علينا أن نطلق خارطة طريق جديدة للقطاع المالي غير المصرفي تعيد توجيه الدفة وتواجه التحديات وتساند الطموحات والآمال وتؤكد على خلق قطاع مالي غير مصرفي احتوائي محفز على النمو يتسم بالاستقلالية والمساواة بين الجنسين ويحول الشمول المالي من رؤي وأفكار إلى واقع فعلي ويضع في مقدمة أولوياته الشمول المال وتمكين المرأة ومحدودي الدخل من الاستفادة من تطور ونمو القطاع المالي غير المصرفي، فقمنا بإطلاق استراتيجية شاملة للأنشطة المالية غير المصرفية 2018-2022، كخطوة أساسية وهامة في بناء قطاع مالي متطور ومنفتح على العالم الخارجي وقادر على المساهمة بفاعلية في خطط التنمية المستدامة مصر 2030. واليوم ونحن نحتفل بمرور 10 سنوات سعداء برؤية التطور الذي شهدته الأنشطة المالية غير المصرفية خلال الفترة، فقد شهد سوق المال في مصر ارتفاع ملحوظ في قيمة الأوراق المالية المصدرة بالسوق الأولي (إصدارات أسهم تأسيس وأسهم زيادة رأس المال) بلغ ما يزيد عن تريليون جنيه، ومع الأخذ في الاعتبار إصدارات تعديل القيمة الأسمية وإصدارات تخفيض رأس المال وصلت القيمة إلى تريليون و312 مليار جنيه. كما بلغت إصدارات سندات التوريق حوالي 45 مليار جنيه منهم 18 مليار جنيه في 2019 فقط، وهو مؤشر هام ويدل على تفعيل هذه الآلية واستخدامها من قبل الشركات كأحد مصادر التمويل من خلال سوق رأس المال والبورصة المصرية. كما استمرت البورصة في تنفيذ دورها الرئيسي في دعم الاقتصاد من خلال توفير التمويل للشركات المقيدة لمساعدتها على التوسع والنمو وتوفير المزيد من فرص العمل، حيث شهدت الفترة زيادة رؤوس أموال بقيمة 110 مليار جنيه. وعلى جانب آخر، فقد ساعدت القرارات التي أصدرتها هيئة الرقابة المالية لزيادة نطاق الإفصاح والشفافية وزيادة كفاءة الإطار التنظيمي لحوكمة الشركات وحماية صغار حملة الأسهم، على تقدم مصر 78 مركزاً خلال 5 سنوات، لتصل للمركز57 صعوداً من المركز 135 في عام 2015، وذلك في أهم تقييم لحماية المستثمرين، وهو المؤشر الأفضل أداءً بين جميع مؤشرات تقرير ممارسة الأعمال.
أما نشاط التأمين فقد شهد نشاطاً ملحوظاً منذ الدمج حيث ارتفع صافي الاستثمارات ليصل إلى 102 مليار في 2019 مقارنة بمبلغ 29 مليار جنيه في 2009، بزيادة أكثر من ثلاث مرات، كما تضاعفت استثمارات صناديق التأمين الخاصة أكثر من ثلاث مرات، لتصل إلى 75 مليار جنيه في 2019 مقارنة ب24 مليار جنيه في 2009. وعلى صعيد التمويل العقاري فقد تضاعف حجم التمويل الممنوح من شركات التمويل العقـــاري بما يقرب من ست مرات، ليصل إلى 11.4 مليار جنيه في سبتمبر 2019 ارتفاعاً مما يقرب من 2 مليار جنيه في 2009. وفيما يخص التأجير التمويلي فقد ارتفع ارتفاعاً كبيراً حيث بلغت قيمة العقود إلى ما يقرب من 200 مليار جنيه حتى تاريخه مقارنة بمبلغ 3.6 مليار جنيه حجم العقود في عام 2009. وبالنسبة لنشاط التخصيم ارتفع حجم الأوراق المخصمة مما يقرب من 2 مليار جنيه في 2009 إلى ما يقرب من 50 مليار جنيه في عام 2019 بارتفاع بلغ خمسة وعشرين مرة. وبلغت حجم الأرصدة الممنوحة للمستفيدين من التمويل متناهي الصغر لما يقرب من 15 مليار جنيه مقارنة ب 4.5 مليار جنيه. وفى مجال الضمانات المنقولة وصل عدد الإشهارات بالسجل في نهاية سبتمبر 2019، ما يزيد عن 33 ألف إشهار بقيمة ضمانات بلغت ما يزيد عن نصف تريليون جنيه وبالتحديد 581 مليار جنيه، وذلك منذ أن تم تشغيل السجل الإلكتروني في مارس 2018.
وعلى جانب آخر فقد وفينا بتعهدنا بأن نولي اهتماماً كبيراً بالتنمية المستدامة وأن تصبح الاستدامة جزء رئيسي في استراتيجيتنا، حيث قامت الهيئة باستحداث إدارة مستقلة للتنمية المستدامة وتم عقد لقاءات مع العاملين بالهيئة لنشر المعرفة بالتنمية المستدامة كمفهوم وإلقاء الضوء على مبادئها وأهدافها والخطط الموضوعة لتطبيقها. كما تم دمج مبادئ الاستدامة في نظم التشغيل والاستثمار والإدارة بها وتحولها إلى ثقافة وممارسة يومية وأحد أدوات اتخاذ القرارات داخل المؤسسات المالية غير المصرفية، عن طريق "تعميق مستويات الاستدامة في القطاع". وأطلقت الهيئة أول تقرير للاستدامة ليصبح أول تقرير استدامة تصدره هيئة عامة في مصر. كما ركزت الهيئة على وضع خطط متوازية لتهيئة مناخ جاذب للاستثمار المستدام والأخضر، ودعم ثقة المستثمرين في ضخ أموالهم للمساهمة في الاستثمار في المشاريع الخضراء من أجل خلق مجتمعات قادرة على اتخاذ قرارات استثمارية صائبة. كما وافق مجلس إدارة الهيئة مؤخراً على إنشاء مركز إقليمي للتمويل المستدام وذلك بهدف نشر الوعي بالتنمية المستدامة وتعزيز ثقافة الاقتصاد الأخضر داخل القطاعات المالية، وتقديم الدعم الفني والمشورة للمستثمرين والأجهزة الحكومية المعنية بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، من خلال المساهمة في نشر الثقافة والتوعية بأهمية التمويل المستدام، وإنشاء منصة إلكترونية لعرض الاتجاهات والتطورات في مجال التمويل المستدام والموضوعات المرتبطة به.
وعلى مستوى حماية المستثمرين، فقد قامت الهيئة بالعديد من التعديلات بالقوانين والتشريعات للتأكيد على حماية المتعاملين بكافة الأنشطة. كما قمنا بإصدار أول دليل تفصيلي لحماية المتعاملين في الأنشطة المالية غير المصرفية. وبموجب هذا الدليل تلتزم الشركات والجهات العاملة في مجال الأنشطة المالية غير المصرفية بأن تتوافق مع المبادئ الواردة بدليل حماية المتعاملين، وأن تتخذ كافة الإجراءات اللازمة لنشر الدليل وتوعية عملائها بحقوقهم والتزاماتهم. وفي إطار حرصنا على دعم التطور التكنولوجي والتحول الرقمي، فتقوم الهيئة بدراسة ومتابعة التطور التكنولوجي في السنوات الأخيرة وبخاصةً تقنية سلسلة الكتل (Blockchain) وتقنية الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) وتقنية الحوسبة السحابية (Cloud Computing) وما تستحدثه من تحديات الأمن السيبراني (Cyber Security) للوقوف على آثارها في تغيير ديناميكية وطبيعة أسواق الخدمات المالية غير المصرفية والمتضمنة التكنولوجيا المالية (FinTech)، التكنولوجيا الرقابية (RegTech) والتكنولوجيا الإشرافية (SupTech). وقد أقر مجلس إدارة الهيئة استراتيجية التطوير "من الداخل للخارج" لضمان النجاح والاستدامة بدءً من تطوير البنية الهيكلية للموارد البشرية ودورة تدفق العمل، وتطوير البنية الهيكلية لخدمات تكنولوجيا المعلومات وانتهاءً بتطوير البنية الهيكلية للأعمال بالهيئة. وتعتمد استراتيجية التطوير على النهج الخدمي والتحول الرقمي. وقامت الهيئة مؤخراً بتوقيع مذكرة تفاهم مع البنك المركزي المصري ووحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وذلك لتنسيق مجالات وآليات التعاون المشترك في مجال التكنولوجيا المالية وفقاً لنطاق اختصاص كلاً منهم الأمر الذي يساهم في مساعدة أصحاب الأفكار والمشروعات الجديدة في التغلب على أي معوقات رقابية أو قانونية.
أما على محور العلاقات الدولية، فقد ركزت الهيئة منذ الدمج على تعميق مكانتها على المستوى الدولي والإقليمي، فقد اهتمت الهيئة بتوقيع العديد من اتفاقيات التعاون ومذكرات التفاهم التي تتيح بمقتضاها تبادل المعلومات الرقابية والخبرات العملية. وقد أتاحت المجهودات المبذولة من الهيئة في مجال التعاون الدولي حصولها على العديد من التكريمات الدولية ومن أبرزها فوز مصر بعضوية مجلس إدارة المنظمة الدولية لهيئات الأسواق المالية (IOSCO) للمرة الثالثة على التوالي عن الفترة 2018-2020. كما فازت الهيئة بجائزة "الرقيب الأكثر ابتكاراً" في أسواق المال بالقارة الأفريقية عن عام 2018 أيضاً وحصل رئيسها على جائزة الشخصية الأكثر تأثيراً في أسواق المال بالقارة الأفريقية في 2017.. وتم انتخاب الهيئة رئيسا للشراكة المتوسطية لهيئات أسواق المال للدورة 2018-2020. كما تم إعادة انتخاب مصر عضواً باللجنة التنفيذية لمنظمة مراقبي صناديق التأمين (IOPS) خلال الفترة 2020-2021 وذلك للمرة الثالثة على التوالي.
وقد أثرنا التركيز على الحوار المجتمعي حول القرارات والقوانين التي نتخذها لأننا جميعا شركاء في تحقيق مصلحة هذا القطاع وسنستمر في التوسع في تطبيق ممارسات الحوكمة في القطاع والإصرار على توفير أكبر قدر من الحماية لحقوق الأقلية ومازال في الجعبة المزيد من مركز التحكيم وتسوية المنازعات إلى التأمين متناهي الصغر إلى تحقيق الاستدامة في القطاع وغيرها من الأمور التي تم التخطيط لها في استراتيجية القطاع المالي غير المصرفي 2018-2022.
وربما كان الشعار الذي أطلقناه خلال العامين الأخيرين " نبني الجسور لا الحواجز" خير تلخيص لفلسفتنا الحالية في التعامل مع القطاع المالي غير المصرفي، فلم يقتصر دورنا على الرقابة فقط بل ركزنا كامل جهودنا في العمل على خلق بيئة مواتية ومشجعة للاستثمار، بيئة منفتحة على التطور والتحديث وقادرة على خلق جسوراً للتواصل مع الأطراف ذات العلاقة. ولكن بناء الجسور يتطلب وضع الحواجز للحد من المخالفات والممارسات الخاطئة التي قد تؤثر على سلامة واستقرار النظام المالي غير المصرفي.
وحيث أن الوفاء على الكريم فريضة فالشكر موصول لكل من سبقونا في تحمل المسئولية ولكل زميل على مختلف المستويات بذل جهداً خلال السنوات الأخيرة بإخلاص وكد واجتهاد من أجل تحقيق كل ما سبق، ونتطلع وننتظر المزيد فلا نفع من آمال وطموحات عظيمة لا تساندها همم أعظم.

 

 

     رئيس مجلس ادارة 
الهيئة العامة للرقابة المالية

       د. محمد عمران    

 

 

 



 
All rights reserved to  Financial REgulatory Authority ©2019